محمد غازي عرابي

962

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وقال اسبينوزا : لدى اللّه من كل أشكال الوجود ، وما دام الخلق للّه جميعا فكيف يحصر اللّه نوره في طبقة دون أخرى ، وفي طائفة دون الطوائف ، كما كان الهندوس يفعلون حتى جاء المهاتما غاندي وثار على الطقوس والتقاليد وأفشى المساواة بين الناس ، ولقد كان في قريش الفرسان والعظماء والأعيان من ذوي الحسب والنسب مثل الوليد بن المغيرة وأبي سفيان . وقالت قريش لو أن القرآن نزل على الوليد بن المغيرة مثلا لكان أجدى وأدعى للهيبة ، وجهلت قريش أن للّه المشرق والمغرب والفوق والتحت والغنى والفقر ، ولقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الصدد : « ربّ أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللّه لأبره » ، وقال سبحانه معاتبا رسوله : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 ) . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 33 إلى 35 ] وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 ) [ الزخرف : 33 ، 35 ] ما دام للّه الأسماء والصفات والأمر جميعا فلا يهمه إن كفر الكافر وأنكر ولكن اللّه وضع للوجود ميزانا يقيم الوزن بالقسط ، ومن ذلك تقسيم الخيرات التي قسمها بين الناس ، فكافر غني ، ومؤمن فقير ، ومؤمن غني وكافر فقير ، وحاكم طاغية ومحكوم مستضعف ، وحاكم رقيق القلب عادل ومحكوم قاسي الفؤاد جبار ، فالأمر مقسوم بين الناس بقسط كوني ليرتفع بنيان الوجود على هذا الأساس . واللّه سبحانه القائل فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ، فلو جعل اللّه الغنى والقوة والبطش للكفار من دون المؤمنين لكفرت المؤمنون أو لانهزموا ، واللّه يذكر بأن له الأمر والمشيئة والفعل ، ولولا ميزان الوجود الموضوع لما جعل اللّه لمن جعل من الكافرين مالا ممدودا وبنين شهودا ومهد له تمهيدا ، ولكن اللّه جعل أيضا الأيام متداولة بين الناس ، وللّه الحكمة والقصد . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 36 إلى 42 ] وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 37 ) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ( 38 ) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ( 39 ) أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 40 ) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ( 41 ) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ( 42 ) [ الزخرف : 36 ، 42 ]